
هل السوريون حقّاً هم عبئ إقتصادي على تركيا ؟.. الأزمة الإقتصادية في تركيا الأسباب والحلول
بقلم الكاتب أحمد قطيع
هل السوريون حقّاً هم عبئ إقتصادي على تركيا ؟ و هم السبب في الأزمة الإقتصادية التي تمر فيها تركيا حالياً كما تدّعي بعض أطياف المعارضة وتحاول التسويق لذلك ؟
ببساطة لا ، لا يوجد عاقل يقول بأنّ السوريين كانوا عبئاً إقتصاديّاً على تركيا ، ففي علم الإقتصاد لا يمكن للموارد البشرية أن تكون عبئاً إقتصاديّاً ، بل على العكس تماماً ، وهذا عدا عن كميّة الأموال من النقد الأجنبي التي أدخلها السوريون إلى تركيا وافتتحوا بها مشاريعهم الإنتاجية والزراعية والتجارية وكانوا سبباً مباشراً في تحريك عجلة الإقتصاد ولو بجزءٍ بسيط ، وماتلك الأصوات التي تتعالى هنا وهناك لمحاولة إقناع الشعب التركي بأنّ السوريين هم سبب الأزمة الإقتصادية إلّا لأنّ أصحاب تلك الأصوات مفلسين سياسيّاً ولا يمتلكون أدنى برامج تنموية أو مشاريع إقتصادية يمكن طرحها على الطاولة لإيجاد حلول حقيقية ذات فعالية تخرج تركيا من عنق الزجاجة . ( عذر البليد مسح السبورة ) كما يقول المثل .
إذاً .. ماهي أسباب تلك الأزمة الإقتصادية التي تمرّ فيها تركيا ؟
تعدد الأسباب فمنها أنّ الأزمة العالمية التي تمر بها معظم دول العالم وخاصّةً خلال أزمة كورونا التي مازالت تلقي بظلالها وجحيمها على الإقتصاد العالمي ، وحرب روسيا على اوكرانيا هي عامل مهم في ارتفاع أسعار النفط والغاز والطاقة وبعض المواد الإستهلاكية الأساسية والمواد الخام ، وتركيا من الدول التي تأثرت بتلك الحرب أكثر من غيرها بسبب اعتماد تركيا على استيراد الكثير من السلع والمواد الخام سواءً من روسيا أو اوكرانيا على حدٍّ سواء . إضافةً إلى ذلك فإنّ هناك أخطاء في بعض القرارات الإقتصادية التي وقعت بها الحكومة التركية قبل فترة وجرى تصحيح بعضها مؤخّراً مثل تخصيص ميزانيات ضخمة على مدى العشر سنوات الأخيرة لبناء شبكات طرق وجسور ومواصلات أكثر من الإحتياجات اللازمة ، و منها إختيار التوقيت غير المناسب لخفض سعر الفائدة وإن كان خفض سعر الفائدة سيكون أثره الإيجابي على الإقتصاد التركي على المدى البعيد إلّا أنّ التوقيت ربّما كان لابدّ من دراسته بشكل أفضل ، وأيضاً تغيير مدير البنك المركزي لعدّة مرات متتالية خلال فترة وجيزة مما أدّى إلى إرتباك وتخبّط في بعض القرارات الإقتصادية ، علاوةً على ذلك فإنه لابد أن لا نتناسى ونتجاهل تلك الحرب الإقتصادية التي شنتها عدّة دول على الإقتصاد التركي و الليرة التركية خاصّةً بعد فشل محاولة الإنقلاب في تموز 2016 والتي شاركت بها عدّة دول و على رأسها حكام بعض الدول العربية ، إنتقاماً لنفسها ومحاولةً منها لتنفيذ خطّة ( الإنقلاب الصامت ) ، بعد أن كشفت تركيا مخططاتها في مشاركتها لإنجاح تلك المحاولة الإنقلابية الفاشلة ، وكيف لنا أن ننسى كيف أنّ أحد زعماء تلك الدول العربية قام بشراء أسهم أكبر بنك تركي وثمّ قام بطرح تلك الأسهم بقيمة منخفضة مما ساهم حينها بضرب قيمة الليرة التركية بنسبة 70% خلال فترة لم تتجاوز الشهر ، عدا عن الحرب الإقتصادية التي شنّتها بعض الدول العربية بإيقاف استيراد المنتجات التركية ، أمّا على صعيد الحرب الإقتصادية الداخلية ، فكان لبعض أطياف الأحزاب المعارضة الدور الفعّال في ضرب الدخل القومي الإقتصادي الذي يعتمد على السياحة ( العربية ) من خلال تأجيج الكراهية والخطابات العنصرية المعادية لتواجد العرب في تركيا ومعاداتهم لكل مايمتّ للغة العربية بصلة .
إنّ جميع هذه العوامل مجتمعةً أدّت إلى انهيارات اقتصادية متتالية أفقدت الليرة التركية قيمتها بشكل متسارع جدّاً وأدّت إلى إرتفاع كبير في معدّل التضخّم .
وبطبيعة الحال فإنّ أي نجاح اقتصادي تحقّقه أي حكومات على مستوى العالم لبلدانها لها خطّ بياني تصاعدي يصل في مرحلةٍ ما إلى الذروة ، ولا يمكن لأحد أن ينكر كيف تمكّنت حكومة العدالة والتنمية في تركيا من تحقيق نجاح باهر للصعود بالجمهورية التركية إقتصاديّاً من الهاوية إلى القمّة في زمنٍ قياسي لم نرى له مثيل سوى في ( اليابان ، ماليزيا ، سنغافوره ) ولو لاحظنا فإنّه حتى تلك الدول المذكورة وصلت إلى قمّةٍ معيّنة في الخط البياني التصاعدي ثمّ توقفت عن الصعود ، لكنّها تمكّنت من الصمود والمحافظة على تلك القمّة ويعود السبب في تمكّنها من الصمود لأمرين ، الأوّل : أنها لاتواجه حرباً إقتصادية خارجية وداخلية من المتربّصين ، والثاني : أنّها خصصت ميزانيات ضخمة للإستثمار في قطاع الصناعات التكنولوجية وتقنية المعلومات وتمكّنت من أن يكون لها حصّةً لا يُستهان ُ بها في الأسواق العالمية في هذا النوع من الإستثمار .
ماهي الحلول المقترحة لخروج تركيا من الأزمة الإقتصادية ؟
لم تتمكّن تركيا من تحقيق استثمارات حقيقية جادّة في قطاع الصناعات التكنولوجية حتى الآن وإن كان هناك بعض الإستثمارات الخجولة التي لم تلقى تشجيعاً حكوميّاً يمكّنها من تحقيق مراكز في الأسواق العالمية .
أرى أنّ على الحكومة التركية التفكير جديّاً بتخصيص ميزانية كبيرة للإستثمار في قطاع الصناعات التكنولوجية وتقنية المعلومات حتى تتمكن من المحافظة على تلك القمّة التي وصلت إليها والبقاء على مسافة متقاربة مع الدول العربية لجذب الإستثمارات العربية والأجنبية من خلال سن قوانين تشجيعية للإستثمار في هذا القطاع مثل الإعفاء الضريبي لعشر سنوات ، وإسكات تلك الأصوات التي تنعق مثيرةً الكره للعرب حتى لاتفقد تركيا مصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي ( السياحة ) والاستثمارات العربية التي تشكّل عنصراً هاماً لإستقرار الإقتصاد التركي على المستوى القريب والبعيد .



