تسجيل الدخول

سوريا.. قصة الصراع بين العسكريين والمدنيين حول الحكم

9 نوفمبر 2019آخر تحديث : منذ 3 أيام
سوريا.. قصة الصراع بين العسكريين والمدنيين حول الحكم

في ظل عدم الاستقرار الوزاري، واستمرار التنافر بين حزب الشعب المسيطر على الوزارة وقيادة الجيش بسبب من إصرار الأول على تطبيق الدستور نصاً وروحاً من خلال تسليم وزارة الدفاع إلى شخص مدني، وتطبيق الرقابة البرلمانية عليها والدرك الوطني، في حين أن الشيشكلي يريد أن يسيطر على النهج السياسي للدولة خشية منه أن يفقد الجيش دوره القيادي في شؤون الحكم، وبخاصة في مجال الإشراف على السياسة الخارجية، حيث أن حزب الشعب ما انفك يغازل بغداد، قاد الشيشكلي انقلابه العسكري الثاني في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1951، واتهم حزب الشعب بأنه دفع حسني الزعيم إلى تبني “سياسية ديكتاتورية للتآمر على استقلال البلاد وتعريض جيشها، وخلق شوكة جديدة فيه.

وادعى أن الأزمات الوزارية جميعها قد اصطنعتها هذه القوة السحرية كي يتقدم الشعبيون كمنقذين، وأن هدف حزب الشعب الوحيد كان أضعاف الجيش ووسمه أنه منظمة تحتكر السلطات جميعها… كل ذلك في محاولة لتحقيق طموح هذا الحزب ومخططاته”.

وهكذا تولى الجيش كامل إدارة الدولة، وأصدر الشيشكلي البيان العسكري رقم 1 ونصه:

“يتولى رئيس الأركان العامة، رئيس المجلس العسكري الأعلى، مهام رئاسة الدولة، ويتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية”، كما أعلن حل مجلس النواب والإطاحة بالنظام البرلماني وتسلم السلطة كاملة.

لم يعد يحكم من وراء ستار

لقد وضع الشيشكلي حداً للصراع بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية التقليدية، وبخاصة حزب الشعب، بعد أن تدرب الجيش نفسه في طرق المشاركة كلياً في النزاعات السياسية المدنية، وسخر من الحكم البرلماني، وأصبح أداة سياسية وعماد الدولة وعمودها الفقري، في ظل التدخل المباشر للعسكريين في الحياة السياسية والمدنية، ونمو موازنته وتزايد نفقاته العسكرية، وتحسن الأوضاع المعيشية للضباط والجنود.

ولم يعد الجيش يحكم من وراء الستار، بل أصبح يستخدم في الشؤون الداخلية، انطلاقاً من مقولة بعض المتحمسين لتدخل الجيش في القضايا الداخلية، باعتباره ينتمي إلى الشعب، والحال هذه فإنَّ “تعاون الجيش والسلطة التنفيذية يسهم في إدراك الشعب أن الجيش ينتمي إليه”.

أمام اعتماد الشيشكلي في حكمه على قبضة عسكرية عنيفة قطعت كل الروابط مع الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والديمقراطية، وخشيت الديمقراطية البرلمانية، تحول حكمه في النهاية إلى رجعية سياسية صريحة في الداخل

وعلى الرغم من أنَّ الشيشكلي منح بمرسوم مناصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع إلى الزعيم فوزي سلو، في انتظار عودة الحياة البرلمانية إلى البلاد، إلا أن السلطة الفعلية للدولة كان هو الذي يديرها بقبضة حديدية صارمة. وفي نطاق تدعيم حكمه العسكري الديكتاتوري، غيّر قادة الشرطة، وقام بتطهير جهاز الموظفين والمحاكم وتعيين ضباط في الجيش في مراكز إدارية داخل الحكومة، ومنع نشاط الأحزاب السياسية من حزب الشعب، والإخوان المسلمين، وحزبي البعث والاشتراكي اللذين يقودهما ميشيل عفلق وأكرم الحوراني.

“ولما كان حظر الأحزاب انتهاكاً مباشراً للدستور السوري فالمرسوم القاضي بحظرهما أرفق ببيان، “للأسباب الموجبة” غريب، فبعد مهاجمة الأحزاب القديمة وأنها تكتلات تتبع أفرادها واتهامها بالاستقواء والاستلهام من الخارج ادعى البيان خلو التشريع السوري من قانون بيّن الحدود صريح الأغراض ينظم أحكام الأحزاب السياسية.

العسكر في مواجهة الديمقراطية

ورغم اعتراف البيان بأن المادة 18 من الدستور تمنح السوريين حق تأليف الأحزاب السياسية، وأن القانون المدني نص على بعض المبادئ العامة بشأن الجمعيات، أعلن أن قانون الجمعيات العثماني لم يزل نافذاً في الجمهورية السورية، وكذلك لم تزل نافذة حتى الآن بعض قرارات المفوض السامي الفرنسي في هذا الصدد، وعلى أساس هذا التشريع المضطرب، واستناداً إلى هذه الأحكام المتناقضة الناقصة أفسح المجال في الماضي للأحزاب السياسية القائمة. لذلك فالحل الوحيد هو حل الأحزاب والمنظمات السياسية وفروعها في سوريا”.

ولما كانت الديمقراطية والانقلابات العسكرية تقفان على طرفي نقيض، فقد كانت ديكتاتورية الشيشكلي صريحة في معاداتها للديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث ليس فقط من خلال إلغاء الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية والنقابات المهنية، وقمع التجمعات والمظاهرات الطلابية في جميع أنحاء سوريا، واعتقال زعماء المعارضة في الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية مثل الاشتراكي العربي والبعث والشيوعي، وإنما أيضاً من خلال حل المحكمة العليا التي كانت تنظر وتبت في دستورية القوانين ومشروعات المراسيم، لكي يجسد الشيشكلي الاحتكار المطلق للسلطة، جاعلاً من رئيس الدولة القاضي والمحلف.

لما كانت الديمقراطية والانقلابات العسكرية تقفان على طرفي نقيض، فقد كانت ديكتاتورية الشيشكلي صريحة في معاداتها للديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث

وأمام اعتماد الشيشكلي في حكمه على قبضة عسكرية عنيفة قطعت كل الروابط مع الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والديمقراطية، وخشيت الديمقراطية البرلمانية، تحول حكمه في النهاية إلى رجعية سياسية صريحة في الداخل، في ظل اشتداد الصراع الدولي بين الإمبريالية الأمريكية من جهة وكل من الإمبريالية البريطانية والفرنسية على التغلغل في سوريا من جهة أخرى، بسبب الإزدياد الكبير في حجم إنتاج النفط العراقي وتأمين سلامة أنابيب شركة بترول العراق التي تمر عبر سوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً وأن العراق قد وضع أمام جامعة الدول العربية خطة اتحاد فيدرالي عربي يتكون من مراحل، ويبدأ باتحاد سوريا والعراق والأردن، كتجسيد جديد “لمشروع الهلال الخصيب الذي عارضه الشيشكلي طوال حياته السياسية”.

ثورة مدنية

ومن جهة ثانية قامت الديكتاتورية العسكرية بتوحيد المعارضة القومية والديمقراطية من خلال المؤتمر السري الذي عقد في 30 تموز (يوليو) 1953، وضم حزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن اندمجا حزبا البعث العربي والاشتراكي العربي في حزب واحد، وحزب الشعب، والحزب الوطني، وبعض السياسيين المستقلين، وأعلن في هذا المؤتمر عن انبثاق ميثاق وطني “طالب بتأجيل الانتخابات وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل الأحزاب جميعها ما عدا حركة التحرير العربي (الموالية للشيشكلي) على أساس حلف “وطني” وهذه الوزارة تجري استفتاء على الدستور الجديد الذي اقترحه الشيشكلي (والذي غير جذرياً العلاقات بين السلطات في الدولة، إذ أنه أعطى صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية على غرار النظام الأمريكي.

وأحدث تغييراً جوهرياً في انتخاب رئيس الجمهورية، إذ ينتخب من الشعب انتخاباً عاماً وسرياً ومباشراً لا من مجلس النواب، كما تضمن الميثاق الوطني برنامجاً سياسياً من خمسة نقاط هي:

1 ـ التخلص من الشيشكلي ونظامه الديكتاتوري.
2 ـ إقامة نظام ديمقراطي برلماني
3 ـ صيانة الحريات العامة
4 ـ صيانة الاستقلال والجمهورية السورية.
5 ـ إبقاء الجيش في الثكنات.

وقادت السياسة القمعية والمتهورة للشيشكلي إلى توحيد المعارضة السياسية المدنية، والعسكرية داخل الجيش، حيث أن هناك اتجاهين من الضباط البعثيين والشعبيين والموالين لهما، كانا يعملان داخل المؤسسة العسكرية، واتفقا على قلب النظام القائم، على الرغم من اختلاف الدوافع لكل منهما.

وهكذا أسهمت “ثورة الجيش” في إسقاط الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي في 25 شباط (فبراير) 1954..

لقد برز الجيش كقوة منظمة وحيدة في المجتمع، وذلك قبل أن تتبلور الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية كقوى ضاغطة منظمة قائدة للحركة الشعبية والديمقراطية.

ولكن الجيش السوري كانت تشقه التناقضات والاختلافات الدينية، والمذهبية، والسلالية، والاجتماعية، والاقتصادية، ولهذا كان مسرحاً للصراعات بين القوى والتكتلات المتنابذة داخله، وعاكساً في الوقت عينه الاتجاهات السياسية الداخلية بكل تناقضاتها الفاعلة في واقع المجتمع السوري.

انقلابات بدون مضمون سياسي

وعلى الرغم من أن الانقلابات العسكرية المتتالية التي عرفتها سوريا كانت تحظى بالتأييد الشعبي في حدود معينة، من جراء الموقف الشعبي المعادي للطبقة البرجوازية ـ الإقطاعية التقليدية والمحافظة، والأحزاب السياسية التقليدية، فإن دخول الجيش في السياسة من دون أن يكون متسلحاً بمشروع سياسي ناضج يقدم حلولاً واقعية للمشاكل والمشكلات التي تواجه الشعب، وجهل الانقلابات العسكرية، وجهل العسكريين ـ بما يريدونه ـ باستثناء تدخل الجيش في الصراع الشعبي ضد القوى البرجوازية والإقطاعية الحاكمة، قد جعل كل انقلاب عسكري ينتهي إلى ديكتاتورية سياسية صريحة “تخدم مصالح الاستعمار والطبقات المحافظة والبرجوازية صاحبة المصلحة.

ونتج عن التجربة السورية هذه شيئان: الأول أن الحركة الشعبية أخذت تخاف العسكريين. الثاني أن الحركة الشعبية تنظر إلى كل الحركات العسكرية بمنظار تجربة سوريا الخاصة وبشكل أخص كانت هذه هي نظرتها إلى الثورة المصرية”…

برز الجيش كقوة منظمة وحيدة في المجتمع، وذلك قبل أن تتبلور الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية كقوى ضاغطة منظمة قائدة للحركة الشعبية والديمقراطية.

إذا كان صحيحاً أن القوى السياسية التي كان لها حلفاء في الجيش زعماء البعث أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وبعض الحزبيين المستقلين على رأسهم صبري العسلي، وخالد العظم وحلفائه الشيوعيين قد استقوت بالجيش لإسقاط السلطات البرجوازية ـ الإقطاعية المحافظة والتقليدية، فإنَّ ما هو صحيح أيضاً أن الانقلابات العسكرية نظراً لفقدانها أي مضمون سياسي ديمقراطي واضح، واتجاه تقدمي راديكالي ملتزم بالقضايا القومية، قد أسهمت في تأخير تعميق الوعي القومي الديمقراطي في صفوف الحركة الشعبية، الذي كان يمكن أن يشكل ضمانة حقيقية في بناء جبهة سياسية تضم الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية القومية والديمقراطية، تتماهى مع قواعد بناء مجتمع مدني حديث ودولة ديمقراطية.

وعلى نقيض ما كانت تخطط له الاتجاهات السياسية التي كانت تتصارع على السلطة السياسية في سوريا بواسطة الجيش، لاستخدامه كأداة تنفيذ، خصوصاً وإن لكل هذه القوى العاملة أنصاراً ومؤيدين داخل الجيش، فإن هذا الأخير لم يعد مقتنعاً بهذا الدور، بل أصبح مقتنعاً بإدارة كامل شؤون الدولة، وهو ما جعل تخليه عن الحكم لمصلحة المدنيين، مسألة في غاية التعقيد لا تحل إلا بانقلاب عسكري جديد.

فالجيش أصبح مدرسة سياسية مؤثرة في السلطة السياسية بشكل واضح، كما أنه القوة الوحيدة الأكثر تأثيراً في السياسة الداخلية السورية، في ظل عجز السلطة المدنية التي كانت تتزعمها الأحزاب التقليدية المحافظة، والتي تبحث عن الاستقرار والمحافظة على الأوضاع القائمة، ووجود حركة شعبية ديمقراطية ضعيفة تطالب بالتغيير الجذري للمجتمع، ولكن من دون أن تكون لها قوة ضاربة على التغيير، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى النخبة العسكرية من الضباط الوطنيين الذين هم من أصل ريفي وفلاحي لتحقيق بعض من مطالبها في التغيير السياسي.

وما أن تم القضاء على الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي حتى عاد الجيش إلى تكاتفه ليأخذ دوره التقليدي كجيش محترف. ولتعود سوريا إلى مرحلة الحكم الذاتي المدني والديمقراطية التقليدية التي يوجهها الجيش من وراء الستار بطريقة غير مباشرة، ولتشهد مرحلة جديدة من الصراع بين الأحزاب المحافظة والتقليدية والإقليمية والأحزاب الأيديولوجية الراديكالية، ومن ورائها النخب العسكرية من الضباط الحزبيين الوطنيين.

عربي 21



رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.