أردوغان باللباس العسكري
تركيا بالعربي
تستمر الأرتال العسـ.ـكرية التركية في التدفق إلى داخل الأراضي السورية والانتشار بقرى وبلدات ريفَيْ إدلب وحلب القريبة من خطوط التـ.ـماس مع قوات الأسد والميليشيات الداعمة لها، في مؤشر واضح على اقتراب ساعة الصفر المحددة لتنفيذ التهـ.ـديدات التي أطلقها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”.
وفي الخامس من شهر شباط الحالي هدد الرئيس التركي بشن عملية برية وجوية ضد ميليشيات الأسد إذا لم تقم بالانسحاب من محيط نقاط المراقبة المنتشرة في إدلب والعودة إلى حدود اتفاق سوتشي المبرم مع روسيا في أيلول عام 2018 وذلك قبل نهاية الشهر الحالي.
تصريحات “أردوغان” تلك تلاها إرسال الجيش التركي تعزيزات هي الأضخم إلى الشمال السوري تضمنت أكثر من 1000 آلية عسـ.ـكرية من ضِمنها عربات مدرعة ودبابات وراجمات صواريخ ومدافع ميدانية، بالإضافة إلى مشافٍ حـ.ـربية وعيادات متنقلة، فضلاً عن إرسال عدة وحدات من القوات الخاصة “الكوماندوز” وتعزيز كل نقطة مراقبة بكتيبة كاملة من الجيش التركي.
مسؤولون أتراك أكدوا أن هذه التعزيزات تأتي ضِمن الخيارات المطروحة على الطاولة للرد على انتـ.ـهاك نظام الأسد للاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بشأن إدلب، كما أوضح وزير الدفاع التركي “خلوصي آكار” أن بلاده ستلجأ إلى تطبيق الخطتين (B) و (C) إذا لم يرضخ نظام الأسد للمهلة التي حددها “أردوغان” له للانسحاب إلى حدود اتفاق “سوتشي”.
وفي ظل التهـ.ـديد والوعيد التركي بلجم نظام الأسد ووضع حد لممارساته وانتـ.ـهاكاته في إدلب، وتلويح أنقرة المستمر بنسف مسارَيْ “أستانا” و”سوتشي” حول سوريا وعدم جدوى استمرارهما، هُرعت موسكو لإرسال وفد دبلوماسي وآخر عسـ.ـكري إلى تركيا لمناقشة الأوضاع في إدلب والعملية السياسية في سوريا مع المسؤولين الأتراك، إلا أن إصرار روسيا على الحسم العسـ.ـكري وتمسُّك تركيا بمطلب انسحاب نظام الأسد إلى خلف نقاط المراقبة في إدلب أدى إلى فشل تلك الاجتماعات واتساع الفجوة بين الطرفين.
وأكد مصدر خاص لـ”نداء سوريا” أن الجانب التركي أبلغ الفصائل الثورية في إدلب عقب فشل الاجتماع برفع الجاهزية القتالية واستنفار عناصرها استعداداً للدخول في معركة جديدة ضد نظام الأسد والميليشيات الموالية له، تلا ذلك وصول طائرة شحن تركية إلى ولاية “هاتاي” الحدودية مع سوريا تحمل مواد عسـ.ـكرية، وإرسال قاذفات صواريخ إلى نقاط المراقبة في إدلب.
انطلاقاً من المعطيات السابقة، رأى الكاتب والمحلل السياسي التركي “طه عودة أوغلو” أنه عقب فشل الاجتماع مع الجانب الروسي واصلت القوات التركية الدفع بالمزيد من التعزيزات إلى إدلب بهدف إرسال رسالة واضحة إلى جميع الأطراف بأن أنقرة لن تسمح بسقوط إدلب.
ورجح “أوغلو” في تصريح خاص لـ”نداء سوريا” أن تقوم تركيا بزيادة الدعم العسـ.ـكري للفصائل الثورية ومساندتها في شن هجـ.ـمات عكسية على مواقع ميليشيات الأسد بهدف تغيير موازين القوى على الأرض.
وأشار في حديثه إلى التهـ.ـديدات التي أطلقها “أردوغان” معتبراً أنها رسائل ذات بعدين، أولهما أنها موجهة للروس بأن أنقرة لن تسمح للنظام بالسيطرة على إدلب، وثانيهما أنها موجهة للشعب التركي الذي يتساءل عن أسباب مقـ.ـتل جنودهم في سوريا على الرغم من التفاهمات التركية الروسية في إدلب.
واعتبر أن الخيارات السياسية والدبلوماسية تضيق حالياً أمام الأتراك ولم يبقَ أمامهم إلا الخيار العسـ.ـكري إذا استمر الوضع كما هو عليه على الأرض في إدلب، مضيفاً “الحكومة التركية اليوم أمام امتحان صعب أمام الشعب السوري وأيضاً أمام شعبها، وذلك للحفاظ على مصداقيتها بعد تجاوز موسكو لكل الخطوط الحمراء التي رسمتها تركيا في الشمال السوري، وأيضاً في حال خسرت تركيا إدلب لن يبقى لها أي أوراق للضغط على الأطراف الفاعلة في سوريا”.
من جانبه، وضع الباحث في الشأن التركي الدكتور “علي باكير” ثلاثة سيناريوهات للإستراتيجية التركية في إدلب، بعد اختراق النظام وبدعم من روسيا وإيران كافة الخطوط الحمراء التي وضعتها تركيا في سوريا، وتجاوزه لمرحلة قضم المناطق وارتكاب المجازر إلى استهـ.ـداف الجنود الأتراك المنتشرين وفق تفاهمات “تركية – روسية”.
وأوضح “باكير” في حديث لـ”نداء سوريا” أن السيناريو الأول يقوم على إعادة ترميم الاتفاقيات “الروسية – التركية” السابقة من خلال إلزام النظام بالالتزام بشكل كامل بها وإعادته إلى الخطوط الخلفية، مقابل أن تفصل تركيا المعارضة “المعتدلة” عن “المتطرفين”.
ويتمثل السيناريو الثاني بحسب “باكير” بالتفاوض على اتفاقية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التغييرات الأخيرة لناحية المناطق التي سيطر نظام الأسد عليها، والتعزيزات العسـ.ـكرية التركية الضخمة التي دخلت خلال الأيام القليلة الماضية إلى إدلب، معتبراً أن هذا السيناريو يتطلب إعادة رسم خطوط حمراء تركية جديدة وإعطاء قدرات الردع التركية ضد نظام الأسد مصداقية.
وأردف محدثنا بأن الخيار الثالث هو قيام تركيا بإطلاق عملية عسـ.ـكرية سواءً لخلق منطقة آمنة فيما تبقى من إدلب والدفاع عنها عسـ.ـكرياً ضد نظام الأسد مهما تطلّب الأمر، نظراً للمخاطر المتعاظمة على الجانب التركي، أو إطلاق عملية عسـ.ـكرية لدفع النظام إلى التراجع عن المناطق التي سيطر إليها، مستدركاً بالقول إن السيناريو الأخير يتطلب دعماً عملياً ليس سياسياً فقط من قبل الولايات المتّحدة وأوروبا لأنه قد يضع أنقرة في مواجهة موسكو أيضاً.
ويوافق “باكير” و”أوغلو” على أن تركيا في موقف صعب جداً هذه المرة ولم يعد أمامها الكثير من الخيارات ويفترض عليها أن ترمي بثقلها في هذا الاختبار، خاصة بعد تصريح الرئيس التركي بخصوص انسحاب ميليشيات الأسد إلى حدود اتفاق “سوتشي” مع نهاية الشهر الحالي، بالإضافة إلى أن مصداقيتها أمام امتحان إزاء الشعبين السوري والتركي بعد تجاوُز موسكو لكل الخطوط الحمراء المرسومة في إدلب.
وبخصوص إمكانية إطلاق تركيا عملية عسـ.ـكرية ضد نظام الأسد، رأى “باكير” أنه في حال فشل الطرفان التركي والروسي في الوصول إلى تفاهم حول الخلافات المتّسعة بينهما، فإن كلاّ منهما سيلعب ورقته في الميدان، موضحاً أن “الجانب التركي لن يتردد في إطلاق عملية عسـ.ـكرية حتى إذا رفضت روسيا، ذلك لكن بشرط تحييد الطيران الروسي، وهذا لا يمكن أن يحصل من دون دعم من أمريكا والناتو، لكن الاختبار الحقيقي هو إذا ما كانت واشنطن مستعدة لتقديم دعم عسـ.ـكري”.
في حين ذهب “أوغلو” إلى القول بأنه لا يوجد أمام تركيا إلا الخيار العسـ.ـكري للحفاظ على مصداقيتها ومكتسباتها على الأرض ومنع حدوث كارثة إنسانية في إدلب في حال سيطر النظام عليها.
وفي ظل الصورة القـ.ـاتمة للمرحلة الحالية وتشابك الأرتال التركية المتدفقة بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة مع الطائرات الحـ.ـربية الروسية المستمرة بقـ.ـصفها لقرى وبلدات الشمال السوري، تبقى الكلمة الفصل لأنقرة والتي ستحدد قريباً -بحسب المعلومات- مهام القوات التي دخلت مؤخراً إلى إدلب.



