مخاوف “المجنسين” السوريين في تركيا من سحب الجنسية.. واقعية أم مبالغ فيها؟

6 سبتمبر 2022آخر تحديث : الثلاثاء 6 سبتمبر 2022 - 2:00 مساءً
مكتب دراسة طلبات الجنسية التركية
مكتب دراسة طلبات الجنسية التركية

مخاوف “المجنسين” السوريين في تركيا من سحب الجنسية.. واقعية أم مبالغ فيها؟

تركيا بالعربي – متابعات

ساور السوريين من حملة الجنسية التركية الكثير من القلق، بعد تصاعد الخطاب السياسي ضدهم، لتزداد مخاوفهم اليوم، تزامناً مع زيادة حدّة مناهضتهم من قبل بعض المحسوبين على المعارضة التركية، ودعوات الأخيرة لمنع مشاركتهم في الانتخابات المقررة منتصف العام القادم، وصولاً إلى المطالبة بسحب الجنسية “الاستثنائية” التي حصلوا عليها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصدر المجنسون الحديث المتعلق بالسوريين في تركيا، بعد أن شمل فيما سبق، حملة بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك)، الأمر الذي دفع بعضهم إلى طرح تساؤلات ومخاوف من إمكانية سحب الجنسية منهم.. وإن كان هناك قانون رادع يُطمئنهم، ويمنع من حصول ذلك.

تقول ديانا التي نالت الجنسية التركية قبل أعوام بناء على دراستها الجامعية، إن تهديدات المعارضة بإمكانية إعادة دراسة ملفات السوريين الذين حصلوا على الجنسية، وسحبها منهم “جعلت مخاوفنا من إمكانية حصول ذلك حقيقية”.

وتؤكد الشابة السورية المقيمة في إسطنبول لموقع “تلفزيون سوريا”، أنه لا ثقة لديها اليوم بإمكانية عدم تحقيق ذلك – سحب الجنسية – في المستقبل، مضيفة أن “كل شيء ممكن في تركيا.

وتوضح أن الحل بالنسبة إليها، هو السفر إلى بلد آخر على الأغلب أنه عربي، تُعد له العدة حالياً بعد استخراجها لجواز سفر تركي، وتنتظر الفرصة للخروج “التي قد تكون غير بعيدة” بحسب وصفها.

محمد المقيم في أورفا بالجنوب التركي يساوره الشك ذاته، ورغم كل التطمينات من زملائه المدرسين الأتراك الذين يعملون معه في المدرسة ذاتها، والقائلة إن تهديدات المعارضة تدخل من باب “المناكفات السياسية”، إلا أن هذه “التطمينات” لم تنل الثقة الكاملة لديه.

وأضاف الشاب الذي طلب في حديث لموقع “تلفزيون سوريا” ذكر اسمه الأول فقط، أن إمكانية تنفيذ سحب الجنسية بشكل جماعي للمجنسين قد لا تكون ممكنة، إلا أنها يمكن أن تكون بشكل فردي، مشدداً على أن ذلك هو ما حصل بالفعل لأكثر من شخص، و”لأسباب قد لا تكون مقنعة قانونياً”، على حد تعبيره.

خيار الهجرة..

قلق السوريين المجنسين، الذين كانت الجنسية التركية يوماً ما وقبل الحصول عليها، حُلماً للكثير منهم، دفع بعضهم إلى اتخاذ قرار الهجرة إلى أوروبا، بعد أن أصبحت الجنسية التي ظنوا بالأمس أنها “الملاذ الآمن”، غير مطمئنة لهم اليوم.

وفي الأسابيع الأخيرة، ازداد عدد السوريين الذين قرروا الهجرة إلى أوروبا باستخدام جوازات سفرهم التركية للوصول إلى صربيا، وهم بذلك اجتازوا نصف طريق الهجرة، بل واجتازوا النصف الأخطر منها، المتمثل خاصة في طريق تركيا اليونان.

وكان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، قد كشف في 19 من يونيو/ حزيران 2022، عن عدد السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، معلناً في كلمة ألقاها خلال اجتماع لحزب “العدالة والتنمية” في عنتاب، أن “210 آلاف سوري حصلوا على الجنسية التركية خلال السنوات الـ 11 الماضية”.

سجالات

سجالات السياسيين الأتراك فيما يتعلق بالمجنسين السوريين، تمحورت ما بين تهويل بدورهم في الانتخابات القادمة، عبر تضخيم عدد من حصلوا عليها، أو عبر محاولات استمالة كل طرف لأصوات هؤلاء، أو تحييد أصواتهم من دعم خصومهم من جهة أخرى، وهناك من قلل أهميتهم ودورهم.

وفي 8 من أغسطس/ آب الجاري، قال رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، إن الأجانب الحاصلين على الجنسية التركية لا يشكلون خطراً على الانتخابات القادمة في بلاده.

وأضاف في مقابلة أجراها مع صحيفة “Sözcü” التركية، أن “حزب الشعب الجمهوري” على دراية تامة بكل الناخبين، و”يمكننا استنتاج عدد الحاصلين على الجنسية، من خلال اطلاعنا على أماكن الولادة، ونعلم الأجانب الذي يصوتون، ولا يوجد عدد مرتفع من قبيل 400 – 500 ألف ناخب”.

وزعم كليتشدار أوغلو، بأن المعلومات التي لدى الحزب ليست موجودة لدى الهيئة العليا للانتخابات التركية، وأضاف: “نحن نعرف كل ناخب، الناخبون الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع لأول مرة، نعرف منازلهم وعناوينهم، ونعرف أماكن ولادتهم”.

الرد على هذه التصريحات، جاء عبر صحيفة “يني شفق” الموالية للحكومة التركية، واتهمت فيها كليجدار أوغلو بأنه هو الذي فتح باب الخطاب المعادي للسوريين.

وتساءلت الصحيفة بأنه لو تطرق مسؤول في حزب العدالة والتنمية بتصريحات مماثلة لتصريحات رئيس الحزب الجمهوري المتعلق بالحصول على معلومات حول الناخبين الذين سيصوتون في الانتخابات “لأطبقوا الدنيا فوق رأسه وكتبوا أن هناك عملية تزوير حقيقية في انتخابات 2023”.

وذكرت “يني شفق”، أن المعلومات المتاحة، يمكن لأي حزب أن يستخرج العديد من النتائج المختلفة ويجري دراسات حول الانتخابات والناخبين، وتبين في السنوات الماضية، أن هناك جهات حصلت على معلومات من الهيئة العليا للانتخابات وقامت ببيعها للشركات التجارية.

وفي السياق ذاته، وفي أبريل/ نيسان الفائت، حذر زعيم حزب “الديمقراطية والتقدم” علي باباجان، خلال مؤتمر صحفي، الحكومة من منح الجنسية التركية للاجئين لأغراض سياسية.

وشدد باباجان في حديثه حول منح الجنسية التركية للسوريين، على ضرورة ربطها بأسس ومبادئ محددة: “إذا كانت هناك دوافع سياسية لمنح الجنسية فيجب إيقاف هذه العملية فوراً، وإلا فهو وضع غير مقبول، وصبر شعبنا محدود إلى حد ما، لذلك نحتاج إلى قياس نبضه جيداً، ويجب على الحكومة أن تجد حلاً جذرياً وتضعه أمام تركيا في أسرع وقت ممكن”. على حد تعبيره.

الهاشتاغ حاضر..

السجالات السياسية حول المجنسين، وصلت قبل نحو أسبوعين إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وكان أبرزها في تويتر، عبر إطلاق مغني البوب التركي مصطفى صندل وسماً (هاشتاغ)، يطالب بمنع السوريين الحاصلين على الجنسية التركية من المشاركة في الانتخابات المقبلة.

وتساءل “صندل” عن صحة الأرقام التي شاركها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، وتضاربها مع الأرقام التي نشرها زعيم حزب “النصر” المعارض أوميت أوزداغ.

الوسم الذي أطلقه “صندل” تحت عنوان “#SuriyelilerOyKullanmasın” (امنعوا السوريين من التصويت)، تداول العديد من روّاد التواصل الاجتماعي، ما دفع نائب رئيس الكتلة النيابية لحزب “العدالة والتنمية” في البرلمان، يلماز تونش، بالرد على تغريدة “صندل”: قائلاً: “أتطرح سؤالاً تقارن فيه بالأرقام التي نشرها وزير داخلية الدولة بأكذوبة شخص جعل من الكذب مهنة له؟ ما الذي يمكننا قوله؟”.

وعاد “صندل” بالرد، بأن “تونش” لا يجد صعوبة في منح الجنسية التركية للسوريين بـ”سهولة”، إلا أنه يجد صعوبة في قبول التساؤلات التي يطلقها المواطنون.

لماذا الآن؟

ما سبق طرحه يُثير مجموعة من التساؤلات، حول إن كانت خشية انتزاع الجنسية التركية من السوريين الذين نالوها في وقت سابق، محقة؟ أم أنها مبالغ فيها قانونياً؟ ناهيك عن التساؤل الآخر: لماذا أثيرت قضية المجنسين الآن؟

المحلل السياسي التركي، “أوفوك أوراس”، وفي إجابة عن التساؤل المتعلق بسبب اشتداد الحملة ضد المجنسين في الأيام الماضية، يؤكد أنه “مع اقتراب موعد الانتخابات، تضع المقاربات الشعبوية في جميع أنحاء العالم خططًا لزيادة أصواتهم من خلال خدش الحساسيات العنصرية”

وتابع في حديث لموقع “تلفزيون سوريا”: “في تركيا، تم خلق جو غير واقعي، كما لو أن أولئك الذين حصلوا على الجنسية يمكن أن يؤثروا على نتائج الانتخابات”.

لكن وفق رأيه “كان هناك رد فعل إيجابي جداً في أوساط الجمهور ضد المقاربات العنصرية، والقائمة على خطاب الكراهية”.

وحول إن كانت تهديدات المعارضة التركية جدّية فيما يتعلق بسحب الجنسية من السوريين الحاصلين عليها، شدد “أوراس”، على أنه “ليس من الممكن استعادة الحقوق المكتسبة، ويمكن اعتبار الانتخابات كأساس لفضح مثل هذه الملاحقات غير القانونية”.

مخاوف “غير مبررة”..

المحامي السوري فواز حمام، يرى بدوره أن مخاوف المجنسين غير مبررة، خاصة وأنه “وفق الأساس القانوني لا يوجد مخاوف، كون كل قوانين العالمية الخاصة بمنح الجنسية أو سحبها تستند إلى المبادئ نفسها”.

وحول أبرز هذه الحالات التي تستدعي سحب الجنسية، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إنها تتمثل في “تقديم وثائق مزورة، أو ناقصة عند التقدم للجنسية بموجبها إذا تم اكتشاف هذا الأمر، ولو بعد حين، ويمكن من خلالها إبطال قرار منح الجنسية التركية، مستنداً إلى مبدأ قانوني عالمي، يقول إن ما بُني على باطل فهو باطل، وهذا ليس فقط في القانون التركي، وإنما في القوانين العالمية منصوص عليه”.

ويؤكد المحامي السوري الحاصل على الجنسية التركية، أنه لا توجد مخاوف من إلغاء الجنسية الاستثنائية للسوريين، “كونها صادرة عن سلطة تنفيذية خاضعة لرقابة القضاء، ويمكن لأي مواطن في حال إبطال جنسية مراجعة القضاء الإداري متظلماً من القرار، مستنداً في ذلك إلى بند التعسف في استعمال الحق من قبل السلطة التنفيذية”.

واستدرك: “هذه الخطوة تكون بواسطة القضاء الإداري حصرياً، المشهود له بالإنصاف، وطالما أن الجنسية مُنحت بموجب قانون، فان هذا القانون لا يُزال إلا بقانون جديد، يوقف سريان القانون القديم، دون المساس بالحقوق المكتسبة، كونها تخضع لمبدأ أساسي في حال إلغاء هذا القانون، وهو عدم رجعية القوانين، أي أن القانون يسري من تاريخه، و ليس له أثر رجعي”.

وحول الشق السياسي من القضية، يرى المحامي السوري، أن سبب إثارة قضية المجنسين، هو “نجاح خطاب الكراهية الذي تقوده المعارضة في تحريك الشارع التركي ضد الحكومية، بهدف كسب مزيد من الأصوات، عدا هدف التخلص من مصوتين محتملين للحكومة الحالية”.

طمأنة “قانونية”..

المحامي التركي، عبد الحليم يلماز، شدّد في حديث لموقع “تلفزيون سوريا” على عدم إمكانية سحب الجنسية الممنوحة للسوريين، مؤكداً أن “منحها جاء بناء على قرار دولة، وليس متعلقاً بصلاحيات حكومة، وهو القرار الذي اتخذ على أساس مواد موجودة ضمن القانون”.

وشبّه الحقوقي المهتم بقضايا وحقوق اللاجئين والأجانب في تركيا، قرار منح الجنسية بـ”قرارات الدول التي حتى لو تغيرت الحكومات، فإن الاتفاقيات الثابتة الموقعة باسم الدولة، لا يمكن أن تتغير ولا بأي شكل من الأشكال”.

إلا أن المحامي يلماز، والذي كان له دور في صياغة وإعداد قانون الحماية المؤقتة الخاصة باللاجئين السوريين في تركيا، أشار إلى أن هناك استثناءً وحيداً فيما يتعلق بسحب الجنسية، ويتمثل في أن يكون أحد الحاصلين عليها، قدم أوراقاً غير نظامية تحتوي على تزوير أو بيانات غير صحيحة، “عندها يحق للجهات الحكومية مراجعات هذه البيانات وسحب الجنسية”.

واستدرك: “أما إذا كانت أوراقه سليمة، فإنه حتى إذا كانت قد تقدمت شكوى ضده لسحبه لأسباب سياسية مثلاً، فلن يكون هناك أي طائل منها، إذا تأكد القضاء من صحة أوراقه الرسمية المقدمة”.

وهنا ينصح يلماز من يتقدمون للجنسية التركية، بأن يكونوا حذرين عند تقديم أوراقهم الثبوتية، لأن “كل ورقة فيها حالة تزوير أو ادعاء غير صحيح، قد يكون سبباً في سحب الجنسية بوقت لاحق”.

وحول تجربته كمحامٍ فيما يتعلق بالجنسية التي أُعطيت للأجانب والسوريين، أشار إلى أن “الشخص الذي يكون عليه قرار جزائي أو محكمة أو ما شابه ذلك، تتوقف ملفات الجنسية لديه دون أن تلغى، وإذا صدر براءة بحقه تستكمل ملفات الجنسية”.

وأخيراً، يرى الحقوقي التركي، أن “كل دعوات سحب الجنسية، لا تُمثل سياسات الحكومة التركية أو توجهاتها المستقبلية، بقدر ما تمثل سياسات بعض الأحزاب الرافضة أساساً للوجود السوري في تركيا، سواء بصفة اللجوء أو بصفة الجنسية الاستثنائية”.

وبناء على ذلك، دعا إلى عدم إعطاء أهمية لهذه الخطابات وهذه الدعوات، لأن “الدولة عندما تعطي الجنسية بناء على مادة ما في القانون، فلن تستطيع أي حكومة إلغاءها مستقبلاً، إلا عند تغيير المواد القانونية التي اعتمد عليها قرار منح الجنسية، أي تغيير دستور بأكمله من أجل إلغاء قرارات وسحب جنسية استثنائية، وهذا صعب جداً، وليس من السهولة تطبيقه”.

المصدر: تلفزيون سوريا – ياسر العيسى

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.