قصة المبرمج السوري المعجزة “خلدون سنجاب”.. عمل وتزوج دون مغادرة السرير.. همة بشرية تقهر الإعاقة

22 سبتمبر 2021آخر تحديث : الأربعاء 22 سبتمبر 2021 - 4:39 مساءً
قصة المبرمج السوري المعجزة “خلدون سنجاب”.. عمل وتزوج دون مغادرة السرير.. همة بشرية تقهر الإعاقة

تركيا بالعربي

قصة المبرمج السوري المعجزة “خلدون سنجاب”.. عمل وتزوج دون مغادرة السرير.. همة بشرية تقهر الإعاقة

رغم إصـ.ـابته بشـ.ـلل رباعي من جراء حـ.ـادث قديم تمكن الشاب السوري “خلدون سنجاب” من الدراسة في جامعة الشارقة لينال البكالوريوس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى بعد 4 سنوات من الجهد والإصرار والتحدي الذي تحول إلى أمثولة لمن هم في وضعه بعد حصوله على منحة للدراسة الجامعية وهو الحلم الذي راوده لأكثر من 23 عاماً بلا توقف.

وكان الشاب المنحدر من مدينة دمشق قد أحرز تفوقاً في نتائج البكالوريا، صيف العام الدراسي 1994 – 1995، بمجموع قدره 231 علامة ولكن فرحته وفرحة أهله لم تكتمل فخلال رحلة قاموا بها كمكافأة له إلى البحر أواخر الصيف 1994، وفي أثناء السباحة قفز خلدون من أحد الزوارق لكنه لم يُقَدر المسافة بشكل صحيح فاصطدم رأسه بالأرض ونتج عن ذلك انكسار في الفقرة الرقبية الثانية التي ضغطت على النخاع الشوكي ما أدى إلى توقف قدراته الحركية والحسية وتثبط تنفسه.

وتم نقله إلى دمشق حيث أظهرت الصور كسراً في الوجار “الناتئ السني” للفقرة الرقبية الثانية، مما تسبب بأذية مستديمة في النخاع الشوكي، ولأن الإصابة كانت في أعلى العمود الرقبي أصيب بشلل رباعي، وبسبب شلل الحجاب الحاجز أصبح يعتمد على المنفسة.

بقي خلدون في غرفة العناية المشددة تحت “الكوما” لأكثر من سبعة أشهر متنقلاً بين أربعة مستشفيات، وأخيراً قرر والده استيراد منفسة منزلية، فانتقل إلى المنزل، وهكذا شاء القدر أن يسلب هذا الشاب يديه ورجليه، وحتى رئتيه، ولم يبقِ إلا على قدراته الحركية الوجهية التي استطاع أن يستفيد منها في إنجاز الكثير، ورغم حالته الصحية الحرجة نجح خلدون في تحقيق ما يعجز عنه الكثير من الأصحاء.

استطاع المبرمج السوري الشاب خلدون سنجاب، بفضل إرادته الصلبة، أن يتزوج ويستقل عن أهله، ويتخصص ببرمجة الحاسوب، التي مكنّته من الحصول على وظيفة في إحدى الشركات الترفيهية والتعليمية الكبرى.

حالة نادرة

“خلدون” حالة نادرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، سنتحدث عنها مراراً وتكراراً مع كل إنجاز يحققه هذا الإنسان الذي لم تهزمه الشدائد والمحن التي مرت عليه في حياته، بل يعود في كل مرة أقوى من السابق، وأشد إصراراً من قبل على متابعة حياته والنجاح في مجال تخصصه علوم الحاسوب وتصميم المواقع الإلكترونية والبرمجيات وحده، وهو راقد في فراشه، مستخدماً لسانه فقط للكلام.

خلدون سنجاب المبرمج السوري استطاع بإصراره أن يدرس وحده علوم الحاسوب، ويبرع فيها على الرغم من إعاقته (شلل رباعي تام)، كانت نتيجته رقوده على السرير، إثر ارتطام رأسه في قعر البحر، وهو في السابعة عشرة من عمره، كان حينها لاعباً بالفريق الوطني السوري للسباحة، إلا أنه استطاع أن يحقق سلسلة من الإنجازات، فهو اليوم مبرمج ومطور تقني في مجال البرمجة الحاسوبية وتصميم وبرمجة المواقع الإلكترونية، حيث تعاقدت معه العديد من الشركات العالمية.

العمل “عن بُعد”

كوّن خلدون من خلال العالم الافتراضي صداقات عديدة في مختلف أنحاء العالم، وحصل من خلالها على أول عمل له “عن بُعد” في شركة Tiger Production وهي شركة إعلامية ترفيهية وتعليمية للأطفال.

كان من بين أحلام خلدون تأسيس شركة كبيرة مثل مايكروسوفت، حيث قام باستئجار (سيرفر) وبدأ يحجز للزبائن ويتعامل معهم باسمه الشخصي وليس كموظف لدى شركة، كما صمم موقعاً إلكترونياً خاصاً به يزوره الالاف الزوار بشكل يومي، ويربح فيه من خلال الإعلانات.

نجح خلدون في تصميم مكتبة برمجية تستخدم لتصنيع تطبيقات رسوميات ثلاثية الأبعاد، وبرمجته تطبيق لالتقاط حركة الشخصيات وتطبيق لتعليم الصلوات الإسلامية وتطبيق لأتمتة عملية البث التلفزيوني من خلال بطاقة بث، وأيضا مخدم مؤثرات فيديو ينتج مؤثرات رقمية من خلال بطاقة خاصة، وألعاب ثنائية وثلاثية الأبعاد، ومن اختراعاته لوحة مفاتيح فعلية للكتابة باستخدام الفأرة، ومكتبة برمجية تستخدم لحساب مواقيت الصلاة.

خلدون سنجاب يبلغ عمره حاليا 43 عاماً، وقد شكلت قصته وإصراره على التفوق مادة إعلامية خصبة خاصة بعدما كتبت عنه الكثير من الأقلام في بلده، وأيضاً فتحت أبواب منزله أمام العموم للذين أحبوا التعرف إليه عن قرب.

خلدون يستعيد النطق

لم يكن خلدون بعد الحادث الذي تعرض له يتكلم، بل كان يكتفي بتحريك لسانه على «الماوس» ليتواصل مع الآخرين، ولكن جهازاً حديثاً مكنه من الكلام، وسماع صوته جيداً، وقد استعاد نطقه جيداً بعد إجراء العملية، وانتزاع أنبوب التنفس، وتدرب على استخدام صمام الكلام، ليصبح صوته أفضل وكلامه مفهوماً. وهذا ما أسعد الأسرة بكاملها.

وعن أصعب المواقف التي مر بها، تتحدث زوجته يسرى بالقول: كان ذلك عندما انقطعت الكهرباء في لبنان الذي لجأ إليه بسبب الحرب في سوريا وتعطل جهاز التنفس، وهو ما كاد يودي بحياته، وعملت وابنتي على استخدام جهاز تنفس يدوي لمدة 18 ساعة كي يبقى على قيد الحياة.

وكتبت عائشة عبد الله تريم رئيس تحرير صحيفة “جلف تودي” مقالة نشرتها في أكتوبر 2016 بعنوان (خلدون سنجاب.. حالة لا تستعصي على الإمارات)، أتبعتها بإجراء مقابلة معه في لبنان من خلال مراسلها.

وأدى هذا اللقاء الصحفي إلى التغيير الجذري في حياته، بعدما أمر صاحب الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بإرسال طائرة خاصة لنقل خلدون من لبنان إلى الإمارات، وعلاجه في أفضل المستشفيات بأبوظبي، وهو ما كان من شأنه انتزاع جهاز التنفس للمرة الأولى في حياته.

إنجازاته البرمجية

وحول إنجازاته في مجال البرمجة والحاسوب تقول زوجته “يسرى هلال” إن خلدون أسهم في عدد من مشاريع شركة Tiger Production ودفعته هذه التجربة إلى تعلم الكثير من التقنيات التي وسَّعت خبرته كثيراً، وصقلت مهاراته مع العلم أن Young Future شركة كبيرة تعمل في مجال الإعلام المرئي الموجه إلى الأطفال، وهي الشركة الأم لشركات عديدة، منها شركة الزهرة للدبلجة Venus وشركة SpaceToon للبث الفضائي.

وخلال تجربته مع هذه الجهات أسهم بعدة مشاريع مهمة منها:

محرك رسوميات ثلاثية الأبعاد: مكتبة برمجية تستخدم لتصنيع تطبيقات لرسومات ثلاثية الأبعاد.

نظام التقاط حركة: تطبيق لالتقاط حركة الشخصيات.

مخدم بث فيديو رقمي: تطبيق لأتمتة عملية البث التلفزيوني من خلال بطاقة بث.

مخدم مؤثرات فيديو رقمي: وهو تطبيق ينتج مؤثرات فيديوية رقمية من خلال بطاقة خاصة.

خلدون يتخرج من جامعة الشارقة بمرتبة الشرف

بعد وصوله إلى الإمارات عام 2016 بدأ المبرمج السوري رحلة علاجه ودراسته برعاية للدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بعد أن سمع بحالته، والتحق بجامعة الشارقة في تخصص الحاسوب ليتخرج بعد 4 سنوات بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، رغم أن الكثيرين من معارفه أخبروه أنه من المستحيل أن يداوم في الجامعة فيزيائياً وأن عليه الاكتفاء بالعالم الافتراضي ويهجر حلمه.

وتابعت معلمة اللغة العربية أن زوجها خلدون الذي ظل ملازماً للفراش طوال أكثر من 20 عاماً لا يقوى على الحركة والنطق، لكن تحول بعد تسجيله في الجامعة إلى شخص مختلف ملتزم بالدوام شبه اليومي رغم أن جسده ضعيف ويتأثر ويمرض من أبسط الأشياء.

وهكذا فإن خلدون الذي كان يفترض أن يكون في العناية المشددة نقل هذه العناية بكل أجهزتها إلى الحياة العادية، واعتاد على الدراسة طالما كان وضعه مستقراً، وحتى في أثناء دخوله إلى المشفى وتلقي العلاج لم يترك الدراسة، وكان مثار إعجاب ودهشة الكثير من أطباء وكوادر المشفى.

وروت الزوجة أن خلدون ومنذ أن دخل إلى الجامعة وضع نصب عينيه التخرج بعلامات تامة وهو ما تحقق له منذ أيام، وكشفت محدثتنا أن إدارة جامعة الشارقة وهي أكبر جامعة في الإمارات دعمت خلدون وقدمت له كل التسهيلات نظراً لوضعه الاستثنائي من حيث الجهوزية لاستقبال كرسي متحرك في كل القاعات الدراسية والممرات والمصاعد، مشيرة إلى أن الصعوبات في البداية تمثلت في المواصلات فمنزل العائلة يبعد –كما تقول- عشرات الكيلو مترات عن مقر الجامعة وكونه يجب أن يبقى على كرسيه ولا يمكنه الصعود في سيارة عادية فكانت الصعوبة في تأمين سيارة خاصة تتسع لكرسي متحرك.

وأشارت زوجة المبرمج السوري إلى أن الطريق إلى الجامعة يستغرق نحو ساعة ونصف ذهاباً ومثلها إياباً إلى جانب الفترة التي يقضيها في تجهيزه أي بحدود 6 ساعات بشكل يومي وهذا أثر على الوقت المخصص للدراسة مما دفع جامعة الشارقة إلى توفير سكن له مع عائلته داخل الجامعة إضافة إلى المواصلات، فتقلص الوقت إلى خمس دقائق مما كان له أثر في تفوقه ونجاحه.

ولفتت يسرى إلى أن جامعة الشارقة تضم قسماً كاملاً مجهزاً اسمه قسم الموارد مسؤول عن متطلبات ذوي الهمم واحتياجاتهم ودعمهم وتقديم أي مساندة.

وحول صعوبة النطق لدى خلدون وكيف تغلب عليها، أشارت زوجة خلدون إلى أنها كانت في البداية صلة الوصل بينه وبين الدكاترة وزملائه في الدراسة.

ومع بداية تحسن صوته بدأ يعبر بسهولة ويجيب عن الأسئلة المطلوبة منه ويناقش الأبحاث، التي يقدمها في مجال دراسته، وكشفت أن خلدون كان يؤدي الامتحانات كتابة بلسانه، موضحة أنه كان يضغط بلسانه على الماوس المخصص له ويكتب الإجابات حرفاً بحرف ولذلك كان يستغرق وقتاً أطول من زملائه الطلاب في الامتحانات الاعتيادية ولكنه في الامتحانات النهائية بات ينهي امتحاناته بوقت قياسي وأحياناً أقل من الطلاب العاديين.

سوريا نت ومواقع أخرى

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.